عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

246

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

وعندي كذا ، فيعدد كل ما عنده ، ويصفه . يريد بذلك أن يحبس كل رجل نفسه وشهوته على ما يريد من الطعام ، وتقبل الألطاف من هاهنا وهاهنا وتوضع على المائدة ، ثم يؤتى بثريدة شهباء من الفلفل ، رقطاء من الحمصّ ذات حفافين من العراق « 1 » فنأكل معه ، حتى إذا ظن أن القوم قد كادوا يمتلئون جثا على ركبتيه ، ثم استأنف الأكل معهم فقال أبو مردة : للّه در عبد الأعلى : ما أربط جأشه على وقع الأضراس « 2 » » . كذلك وصف الشعراء السمك . ومما قاله المتنبي يشكر عبيد اللّه بن خراسان على هدية أرسلها له وهي عبارة عن سمك قد طبخ بالعسل فوصفه قائلا : قد شغل الناس كثرة الأمل * وأنت بالمكرمات في شغل ومنها أقل ما في أقلّها سمك * يلعب في بركة من العسل « 3 » وقد أصبح السمك مع الجداء من آيين الموائد الرفيعة في العصر العباسي . وولع الكتاب والشعراء بوصف هذه الأنواع من الطعام الفاخر . يقول الجاحظ : « أكل علي الأسواري مع عيسى بن سليمان بن علي فوضعت قدامهم سمكة عجيبة فائقة السمن ، فجلط بطنها جلطة ، فإذا هو بكتنز شحما « 4 » » . ولم يكتفوا بالسمك لأنه أصبح طعاما مألوفا على موائد الأثرياء فأخذ الأمراء يغربون في طعامهم فيقدمون ألسنة السمك فقط كما رأينا فيما قدمه إبراهيم بن المهدي عندما استزاره الخليفة هارون الرشيد « 5 » . أما في الجداء فللخليل السلولي رأي فيمن يشتريها : حيث يقول : « إذا رأيت الرجل يشتري الجدي رحمته ، فإذا رأيته يشتري الدجاج حقرته ، فإذا رأيته يشتري الدرّاج لم أبايعه ولم أكلمه « 6 » » .

--> ( 1 ) العراق بالضم : ج العرق بالفتح ، وهو القدرة من اللحم . ( 2 ) العقد الفريد : ج 6 - ص 293 . ( 3 ) رسالة الغفران : ص 168 - تحقيق بنت الشاطئ ط : دار المعارف . ( 4 ) البخلاء : ص 74 . ( 5 ) انظر ص 222 و 223 من هذا الكتاب . ( 6 ) البخلاء : ص 103 .